أحمد جمال العمري
23
دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى
هذه النظرة العلمية قد يكون لها ما يبررها ، ذلك أن المفسرين القدماء قد توسعوا توسعا كبيرا في عرض القضايا النحوية والصرفية ، وحشوا تفاسيرهم بالعديد من المسائل ، التي أثقلت التفسير ، بحيث جعل القارئ يتوه في خضم هذه الآراء ، والتحليلات ، والمناقشات الفقهية . . إلى آخر هذه المسائل . كما أنهم تورّطوا تورطا شديدا ، حين نقلوا الكثير من الإسرائيليات المدسوسة في مصنفاتهم استنادا إلى الرخصة التي منحها لهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بقوله : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد » « 1 » هذه الإسرائيليات كانت سببا في إفساد المعنى ، الذي يبدو بادي الرأي من الآيات الكريمات . أضف إلى ذلك ، أن بعض كتب التفسير القديمة ، التي أخذت ذلك المأخذ ، واتجهت إلى الإكثار من القصص والأساطير الإسرائيلية ، وضعت ستارا كثيفا بين الآيات الكريمة ، ونورانيّاتها المشرقة . فهؤلاء العلماء المحدثون ، يريدون أن يجد تالي القرآن الإشراق والنور ، من غير حجب يحجبها ، من روايات ما أنزل اللّه بها من سلطان . والذي لا شك فيه ، أن لرأيهم هذا وجاهته ، فإننا بلا شك لو تتبعنا أكثر آيات القرآن ، التي لم تتعرض للأحكام العملية ، نجدها واضحة بينة ، وإن استبهمت علينا بعض الكلمات لبقايا العجمة فينا ، فإن المعاجم اللغوية تحل لنا إشكالنا ، وهو لنقص فينا - وليس إبهام في القرآن ، ينافي وصفه بأنه مُبِينٌ ، * وآياته بَيِّناتٍ . * وإذا كان ثمة موضع للتفسير ، فإنه يكون بتوجيه الأنظار لأسرار القرآن البيانية ، والمرتبة العليا البلاغية ، التي لا تناهد ولا تسامى ، وليس في قوة أحد من البشر أن يأتي بمثلها .
--> ( 1 ) البخاري : كتاب التفسير 8 / 120 من فتح الباري .